أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
153
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والسّورة : الدرجة الرفيعة ، قال النابغة : 274 - ألم تر أنّ اللّه أعطاك سورة * ترى كلّ ملك دونها يتذبذب « 1 » وسمّيت سورة القرآن بذلك لأنّ صاحبها يشرف بها وترفعه . وقيل : اشتقاقها من السّؤر وهو البقيّة ، ومنه : « أسأروا في الإناء » قال الأعشى : 275 - فبانت وقد أسأرت في الفؤا * د صدعا على نأيها مستطيرا « 2 » أي : أبقت ، ويدلّ على ذلك أنّ تميما وغيرها يهمزون فيقولون : سؤرة بالهمز ، وسمّيت سورة القرآن بذلك لأنها قطعة منه ، وهي على هذا مخففة من الهمزة ، وقيل : اشتقاقها من سور البناء لأنها تحيط بقارئها وتحفظه كسور المدينة ، ولكنّ جمع سورة القرآن سور بفتح الواو ، وجمع سورة البناء سور بسكونها ففرّقوا بينها في الجمع . قوله تعالى : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ هذه جملة أمر معطوفة على الأمر قبلها ، فهي في محلّ جزم أيضا . ووزن ادعوا : افعوا لأن لام الكلمة محذوف دلالة على السكون في الأمر الذي هو جزم في المضارع ، والواو ضمير الفاعلين و « شهداءكم » مفعول به جمع شهيد كظريف ، وقيل : بل جمع شاهد كشاعر والأول أولى لاطّراد فعلاء في فعيل دون فاعل ، والشهادة : الحضور . و مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بادعوا ، أي : ادعوا من دون اللّه شهداءكم ، فلا تستشهدوا باللّه ، فكأنه قال : وادعوا من غير اللّه من يشهد لكم ، ويحتمل أن يتعلّق ب « شهداءكم » ، والمعنى : ادعوا من اتخذتموه آلهة من دون اللّه وزعمتم أنهم يشهدون لكم بصحة عبادتكم إياهم ، أو أعوانكم من دون أولياء اللّه ، أي الذين تستعينون بهم دون اللّه . أو يكون معنى « من دون اللّه » بين يدي اللّه كقوله : 276 - تريك القذى من دونها وهي دونه * لوجه أخيها في الإناء قطوب « 3 » أي : تريك القذى قدّامها وهي قدّامه لرقتها وصفائها . واختار أبو البقاء أن يكون « من دون اللّه » حالا من « شهداءكم » ، والعامل فيه محذوف ، قال : « تقديره : شهداءكم منفردين عن اللّه أو عن أنصار اللّه » . و « دون » من ظروف الأمكنة ، ولا تتصرّف على المشهور إلا بالجرّ ب « من » ، وزعم الأخفش أنها متصرّفة ، وجعل من ذلك قوله تعالى : « وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ » « 4 » قال : « دون » مبتدأ ، و « منّا » خبره ، وإنما بني لإضافته إلى مبني ، وقد شذّ رفعه خبرا في قول الشاعر : 277 - ألم تر أنّي قد حميت حقيقتي * وباشرت حدّ الموت والموت دونها « 5 »
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 28 ) ، المصون ( 154 ) ، البحر ( 1 / 101 ) ، القرطبي ( 1 / 65 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 317 ) ، الطبري ( 1 / 105 ) . ( 3 ) البيت للأعشى ورواية العجز في الديوان : . . . * إذا ذاقها من ذاقها يتمطق وانظر الجمهرة ( 3 / 114 ) . ( 4 ) سورة الجن ، آية ( 11 ) . ( 5 ) البيت لموسى بن جابر . انظر الحماسة ( 1 / 215 ) ، الشذور ( 116 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 120 ) ، التصريح ( 290 ) ، الهمع ( 1 / 213 ) . وروى : ( ألم تريا أني ) وقوله : ( حميت حقيقتي ) أراد منعت الناس أن يصلوا إليها أو يقربوا منها والحقيقة كل ما يجب أن يدافع الإنسان عنه من عرض أو نفس أو مال ، وحد